mhiptv.org/forums

mhiptv.org/forums (http://mhiptv.org/forums/index.php)
-   الصوتيات والمرئيات الاسلامية (http://mhiptv.org/forums/forumdisplay.php?f=632)
-   -   أسباب اختلاف العلماء (http://mhiptv.org/forums/showthread.php?t=9979)

soliman2 15-04-2010 11:29 PM

أسباب اختلاف العلماء
 
بحث قيم لأخي صاحب الفضيلة الشيخ / عبدالله بن محمد المزروع - عضو هيئة التحقيق والادعاء
" محقق كتب الشيخ عبدالرحمن البراك "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده . أما بعد :
ففي خضم تنوع وسائل الإعلام ، وانفتاح العالم بعضه على بعض ، وكثرة المسائل المستجدة ، وإقبال الناس على برامج الإفتاء في وسائل الإعلام ، مما أوجد مشكلة كبيرة عند عامة الناس ، وذلك باختلاف الفتاوى عليهم في المسألة الواحدة ، مما حدا بعضهم إلى المطالبة بتوحيد الفتوى لاضطراب الناس في ذلك !! والمتعلم منهم يسأل عن الواجب تجاه هذا الاختلاف ؟ وكيف يميز الصحيح من الأقوال ؟ وبأيها يأخذ ؟ ...
وهذه المشكلة بحجمها الحالي – في نظري – حادثة ، وإن كان لها جذور في السابق ؛ فلذا لم أجد كلاماً طويلاً حول هذه المسألة عند القدماء ، وإنما هي إشارات هنا وهناك .
فلذا ؛ كان من الواجب الكتابة في هذا الموضوع ، وتقريب الأمر للعامة لينضبط الأمر عندهم كيلا تكثر شكوك من رقَّ دينه ، ويجد أعداء الإسلام مدخلاً لهم في التلاعب بالأحكام !

فقسمت هذه الوريقات إلى ثلاثة مباحث :
المبحث الأول : بيان بعض أسباب اختلاف العلماء .
المبحث الثاني : ماذا يعمل العامي عندما يعلم أن في المسألة اختلافاً ؟ وذكر أمثلة على ذلك .
المبحث الثالث : موقف العامي من اختلاف العلماء ، وبيان منهج السلف في المسائل الخلافية .
وقبل أن ندخل في الموضوع أحب أن أنبه إلى نقطة ، وهي : لا شك أنَّ الواجب على العامي سؤال أهل العلم المعروفين بالثقة والعلم ، وهذا هو الذي نص عليه قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ، لكننا في هذا الموضوع أمام عامي سمع عدة فتاوى متعارضة في مسألة واحدة واستوى عنده جميع المختلفين .

المبحث الأول : أسباب اختلاف العلماء :
أسباب اختلاف العلماء كثيرة ، وأهمها سببان :
1 – عدم اطلاع هذا العالم على الدليل ، أو خفاء الاستدلال به ونحو ذلك .
2 – عدم صحة هذا الحديث عند العالم بأي سببٍ من أسباب الضعف ؛ كالأحاديث الواردة في زكاة الحلي ، اختلف أهل العلم في صحتها وضعفها ؛ فمن صححها أوجب الزكاة فيها ، وبعض من ضعفها لم يقل بوجوب الزكاة فيها .

المبحث الثاني : ماذا يعمل العامي عندما يعلم أن في المسألة اختلافاً ؟
والمقصود بهذا المبحث : كيف يتعامل العامي مع هذه الأقوال المختلفة ؟ وقد ذكر أهل العلم في كتب الأصول بعض القواعد المهمة في هذا ، وسأذكرها وأزيد عليها ، دون الخوض في بعض الخلافات ، وسأمثل – بإذن الله – على كل قاعدة ؛ علماً أنَّ هذه القواعد لا تبين الراجح من الأقوال والصحيح منها ، وذلك لأن العامي لا يستطيع الترجيح ، لكن – في الغالب – تقوي لديه هذا القول أو ذاك ، ولن أثقل هذا المبحث بالنقول وأقوال أهل العلم لأن هذه الوريقات موجهةٌ إلى عامة الناس وليس لطلبة العلم .
قال الشاطبي – رحمه الله – في الموافقات ( 5 / 76 ت مشهور ) : وأما اختلاف العلماء بالنسبة إلى المقلدين فكذلك – أيضا – لا فرق بين مصادفة المجتهد الدليل ومصادفة العامي المفتي ، فتعارض الفتويين عليه كتعارض الدليلين على المجتهد ؛ فكما أن المجتهد لا يجوز في حقه اتباع الدليلين معا ولا اتباع أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح = كذلك لا يجوز للعامي اتباع المفتيين معا ولا أحدهما من غير اجتهاد ولا ترجيح . اهـ

القاعدة الأولى
: سؤال الأعلم والأورع ، والأخذ برأيه وترك الرأي المعارض له – ما لم يتضح خطأ هذا الأعلم – فالإنسان متعبد بالدليل لا بآراء الرجال مهما بلغوا من المنزلة في العلم .
والدليل على ذلك : قوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " ، وقوله عليه الصلاة والسلام " إنما شفاء العي السؤال " ،
مثال ذلك :
1 – أشكلت عليك مسألة أيُّ أنساك الحج أفضل ؟ لتعارض كلام أهل العلم فيها ؛ فتتصل على أحد كبار العلماء ممن تعتقد أنه أعلم وأورع أهل العلم فيجيبك .
2 – سمعت فتاوى متعارضة في زكاة الدين ؟ فتقوم بسؤال أحد كبار أهل العلم ممن تتوسم فيه أنه أعلم أهل زمانه وأتقاهم لله ، فتعمل بفتواه .
كيف يعرف العامي أنَّ هذا هو العالم الورع ؟
ذكر العلماء عدة طرق لمعرفة ذلك – وليست محصورةً فيها – منها :
1 – إطباق عموم الناس من العامة والعلماء على أنَّ هذا هو الأعلم الأورع ؛ كما شاهدنا هذا في سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله – .
2 – جلوس طلبة العلم للأخذ من هذا الشيخ .
3 – أن تسأل أحد العلماء المفتين عن الأعلم ؟
4 – أن يحيلك أحد العلماء ممن تثق في علمهم وديانتهم إلى آخر ... إلى غير ذلك .
تنبيه : لا يلزم من انتصاب الرجل للفتوى كونه ثقة عالماً ورعاً – وإن كان هذا من الطرق التي يذكرها بعض أهل العلم – وذلك لأنه وجد في هذا الزمان فوضى – إن صح التعبير – في الفتوى ؛ وخاصةً ممن يخرجون في القنوات الفضائية ؛ فالأصل أن القنوات الفضائية لا تأتي إلا بمن يوافق أهواءهم ، أو هم – إن أردنا إحسان الظن – لا يعرفون أنواع المفتين ، ومن يصلح منهم ... بل كثير من أصحاب القنوات ممن لا تقبل شهادتهم ؛ فكيف يعرفون المفتين وينتقون أفاضلهم ؟! ويستثنى من ذلك بعض القنوات ( الإسلامية ) .
ولا يلزم اتفاق جميع الناس على كونه الأعلم و الأورع ، فهذا قد يستحيل في أحيان كثيرة .
مسألة : هذا العالم الورع لا يراد به على مستوى العالم الإسلامي ، ولا على مستوى الدولة ؛ بل على مستوى محل إقامة المستفتي ، وإن تيسر الوصول إلى الأعلى فهو أولى ، وإلا فقد أجاز بعض أهل العلم سؤال المفضول مع وجود الفاضل .
مسألة : لا يجوز للعامي أن يسأل من لا يعتبر قوله في الشريعة إما لكونه معروفاً بالتساهل ، أو كونه تظهر عليه علامات الفسق ، أو كونه جاهلاً ؛ بل يجب عليه أن يتحرى ممن يأخذ دينه .
مسألة : لا يجوز للعامي أن يتبع رخص العلماء ، ويكثر من السؤال حتى يقع على المفتي الذي يفتيه بحسب هواه .

القاعدة الثانية
: الأخذ برأي جمهور أهل العلم ، والفتاوى الجماعية .
كآراء المجامع الفقهية ، وهيئةِ كبارِ العُلماء ، واللجنة الدائمةِ ونحو ذلك ؛ ففتوى جماعةٍ من أهل العلم أقوى من فتوى واحدٍ منهم ، وذلك لِمَا يكون في مثل هذه الفتاوى من تداول الأقوال والأدلة في المسألة ، فتخرجُ الفتوى بعد تمحيصٍ وتدقيق يجعل الإنسان يطمئن إلى كلامهم .
الدليل على ذلك : ما جاء عن ابن عمر – رضي الله عنهما – أنه قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : " لن تجتمع أمتي على الضلالة أبدا ؛ فعليكم بالجماعة ، فإن يد الله على الجماعة " ( ) .
وكان عمر – رضي الله عنه – يجمع أهل بدر ليستشيرهم في بعض النوازل والمسائل .
مثال ذلك :
1 – ما يفتي به بعض المفتين من جواز تمثيل الصحابة – رضوان الله عليهم – ، وهذا مخالف لما نص عليه مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة ، والمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ، وهيئة كبار العلماء بالسعودية ، والمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة على المنع من ذلك وتحريمه والتشديد فيه . وانظر هذه الفتاوى والبيانات في ( فقه النوازل ) للجيزاني ( 4 / 312 وما بعدها ) .
2 – حَلُّ السِّحرِ عن المسحور بسحرٍ مثله كما تبنى ذلك بعض المنتسبين للعلم في هذا العصر ، وقد صدرت فتاوى متعددة في المنع من ذلك ، ومن آخرها ما صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء .
كيف يطلع العامي على هذه الفتاوى ؟
بالرجوع إلى فتاوى اللجنة الدائمة ، وقرارت هيئة كبار العلماء ، وقرارت مجمع الفقه الإسلامي ... وكلها مطبوعة ، وقد اعتنى الدكتور محمد بن حسين الجيزاني – وفقه الله – بجمع كثير من هذه الفتاوى الجماعية في النوازل المعاصرة في كتابه القيم ( فقه النوازل ) .

القاعدة الثالثة
: الأخذ بما يوافق النصوص المحكمة .
والمقصودُ بالنصوصِ المُحْكَمَةِ : هي النصوص التي دلالتها قطعية في المسألة .
والدليل على ذلك : قوله تعالى : " فإن تنازعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول " [ النساء : 59 ] والرد إلى الله والرسول بالرجوع إلى الكتاب والسنة .
وقوله تعالى : " فأما الذين في قلوبهم زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله " [ آل عمران : 7 ] .
قال الشاطبي ( 5 / 81 ) : وأيضا : فإن في مسائل الخلاف ضابطاً قرآنياً ينفي اتباع الهوى جملة وهو قوله تعالى : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول " وهذا المقلد قد تنازع في مسألته مجتهدان ، فوجب ردها إلى الله والرسول ، وهو الرجوع إلى الأدلة الشرعية ، وهو أبعد من متابعة الهوى والشهوة ، فاختياره أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله والرسول ... اهـ
مثال ذلك :
1 – إذا أفتى عالمٌ من العلماء بحكمٍ يُخالفُ أحدَ النصوصِ المحكمة ، كجواز سفر المرأة دون محرمٍ ، واستدلوا على ذلك ببعض الأدلة المتشابهة ، والتي لم يُقْصَد بها الكلام عن سفر المرأة بدون محرم . فيرجعُ العاميُّ إلى المحكم من الأدلة الشرعية ، وهو قوله – عليه الصلاة والسلام – : " لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " .
2 – ما يفتي به بعض المنتسبين للعلم من جواز حلق اللحية أو إبقاء أدنى شعر ( خليجية ) ؛ وهذا مخالف للنصوص المعلومة عند العامة فضلاً عن الخاصة من الأمر بتوفير اللحى وإرخائها .
كيف يعرف العامي أنَّ هذا النص محكم ؟
يعرف العامي هذا بكون النص صريحاً في المسألة التي يدور حولها النقاش ووقع فيها الخلاف ؛ وتطبيقاً على مثالنا الأول : ما يستدل به القائلون بجواز سفر المرأة بدون محرم إذا كانت مع رفقة مأمونة بقوله – صلى الله عليه وسلم – لعدي بن حاتم – رضي الله عنه – في حديثٍ طويل ، وفيه : " فإن طالت بك الحياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله " الحديث ؛ فاستدل من يرى جواز سفر المرأة بدون محرم مع الرفقة المأمونة بهذا الحديث المحتمل ، والذي لم يقصد به بيان حكم سفر المرأة بدون محرم ؛ فيرجع العامي إلى النص المحكم في قوله – عليه الصلاة والسلام – : " لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " .

القاعدة الرابعة
: الأخذ بما يوافق قواعد الشرع المتقررة .
فالقواعد الشرعية هي من المحكمات التي ينبغي ردُّ المتشابهات إليها ، وكلُّ ما لم يأتِ دليلٌ عليه فينبغي أنْ يرُدَّهُ العامي إلى محكمات الشريعة من القواعد والأدلة.
والدليل على ذلك : جميع الأدلة المذكورة في الفقرة السابقة ، وقواعد الشرع لن تخرج عن الأدلة الشرعية المحكمة ، وإنما أفردته لأن بعض الناس قد تكون هذه القاعدة متقررةً في ذهنه ولا يعرف أدلتها ، أو يرجع لها في المسائل التي لا نص فيها .
مثاله :
فتوى بعض المنتسبين إلى العلم بإباحة الدخان ؛ بل بعضهم يشير إلى مشروعيته في بعض الأحيان ! مع أنه ثبت طبياً الأضرار الكبيرة الناتجة بسبب استخدامه ، فإذا بحث العامي عن نصٍّ صريح في تحريمه لم يجد ، لكنه يعلم علم اليقين أن الشريعة أباحت الطيبات وحرمت الخبائث ، وهذا من الخبائث ؛ كما أنه يعرف أنَّ الشريعة جاءت بحفظ الضروريات ، ومنها : النفس والمال ، والدخان متلف لهما ؛ فيعلم العامي – حينئذٍ – أن فتوى هذا المفتي مجانبة للصواب .

القاعدة الخامسة
: الأخذ بقول من يذكر في فتواه دليلاً .
فالأصل أنَّ المسلم مُتَعَبَّدٌ بما جاء في النصوص الشرعية ، قال تعالى : " وما خلقتُ الجِنَّ والإنس إلا ليعبدون " ، وقوله : " ماذا أجبتم المرسلين " ؛ أما ماعدا ذلك من كلام أهل العلم – وإن كان مَحَلَّ تقدير – فليس حُجَّةً بذاته ما لم يعتمد على دليلٍ من الأدلة الشرعية المعتبرة ؛ وبناءً على هذا فالعالم الذي يَسْتَدِلُّ لقوله كلامُهُ مُقَدَّمٌ على غيره من أهلِ العلمِ ، لأن المتبع لكلامه اعتمد على ما كُلِّفَ بِهِ العبد المسلم .
فائدة : قال السمعاني : لا يُمْنَعُ – أي : المستفتي – من طلب الدليل ، وأنه يلزم المفتي أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعاً به ، ولا يلزمه إن لم يكن مقطوعاً به لافتقاره إلى اجتهاد يقصر فهم العامي عنه ...
مثال ذلك :
عالمٌ أفتى بجواز تولية المرأة للولايات العامة ، ولم يذكر دليلاً إلا كقوله : الواقع أثبت أنَّ المرأة تستطيع أنْ تتولى الولايات العامة ، ومساواة المرأة بالرجل ونحو ذلك .
وعالمٌ آخر أفتى بتحريم ذلك ، واستدل بحديث أبي بكرةَ – رضي الله عنه – ، عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : " لن يفلح قومٌ ولوا أمرهم امرأة " أخرجه البخاري ( 4425 ) . فقولُ هذا العالم مقدم على قول المفتي الأول ، لأنه استند إلى دليلٍ شرعي .

القاعدة السادسة
: سؤال كل عالمٍ عن الفن الذي تخصَّصَ فيه .
فالتخصص في العلوم سُنَّةٌ ماضية – وإن كانت قليلة عند السلف – وهي مِنْ معالم هذا العصر الذي ظهرتْ فيه بوضوح ، والتخصص وإن كان له سلبيات فله محاسن ، فالمتخصص في فنٍّ : يتقنه ، ويحقق مسائله أكثرَ من غيره ؛ فمثلاً : ظهر المتخصصون في المعاملات المصرفية المعاصرة ، والمتخصصون في بعض أبواب ومسائل الفقه ببحثها في رسائل جامعية متخصصة ، والمتخصصون في الحديث ... وهكذا .
ويمكن أن يستدل عليه بما روي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال : " أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدهم في أمر الله عمر ، وأصدقهم حياء عثمان ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأقرؤهم أبي ، ولكل أمة أمين ، وأمين هذه الأمة : أبو عبيدة بن الجراح " .
فإذا وردت على الإنسان مسألة مالية مصرفية معاصرة ، فأقرب مَنْ يستطيع أنْ يُجِيْبَ عليها ، ويوافق قولُهُ الحقَّ هو من تخصص في هذا المجال .
وكذلك ؛ إذا وردت على الإنسان مسألة فقهيةٌ تُبْنَى الفتوى فيها على صحةِ حديثٍ أو ضعفه ، فأقرب من يكون قولُهُ فيها صواباً هم أهلُ الحديث .
وقد يقول قائل : في المسائل المصرفيةِ – مثلاً – نسمعُ اختلافاً في الفتوى بين المتخصصين ؛ فبقول مَنْ نأخذ ؟
يقال : على العامي إذا أراد أن يَعْرِفَ الصواب أنْ يَعْمَلَ بالقواعد المذكورة في هذا المقال ، فإذا اختلفوا نقول : انظر إلى النصوص والقواعد الشرعية المحكمة ، وانظر هل في هذه المسألة فتوى جماعية من لجان علمية متخصصة ... إلخ ، وكلما نظرَ العامي في أكثر من قاعدةٍ لاحَ لهُ وَجْهُ الصوابِ – بإذنِ الله – .

القاعدة السابعة
: الأخذ بالأحوط إن لم يكن ثَمَّ مشقة .
الأصل في المسائل الشرعية أنَّ الحلال بيِّنٌ ، والحرام بين ، ويوجد بينهما مشتبهاتٌ أخبرنا النبي – صلى الله عليه وسلم – كيف نتعاملُ معها فقال – كما في حديثِ النعمان بن بشير – : " الحلال بَيِّنٌ ،و الحرامُ بَيِّنٌ ، وبينهما مشتبهات لا يعلمهنَّ كثيرٌ من الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينِهِ وعرضِهِ ، ومن وقعَ في الشبهاتِ وقعَ في الحرام ... " أخرجه البخاري ( 52 ) ومسلم ( 1599 ) واللفظ له ، وفي لفظ للبخاري ( 2051 ) : " فمن تركَ ما شُبِّهَ عليهِ منَ الإثمِ كانَ لِمَا استبانَ أترك ، ومن اجترأ على ما يَشُكُّ فيه مِنَ الإثمِ أوشكَ أنْ يواقعَ ما استبانَ " .
مثال ذلك :
1 – التصوير الفوتوغرافي والفيديو ، فالعلماء اختلفوا في هذه المسألة ، ولكلٍّ حُجَّةٌ قويةٌ تُؤيِّدُ قَوْلَهُ ، وهذا الاختلاف أوجَبَ شُبْهَةً ، فلو اتقى التصوير بهذه الأنواع إلا فيما احتاج إليه كانَ أسلمَ لدينِهِ .
2 – وجوب إهراق الدم على من ترك نسكاً من أنساك الحج ، وهذا اختيار جماعة من أهل العلم ، خالفهم آخرون بعدم وجوب ذلك ولهم حججٌ قوية ؛ فالرجل الموسر والذي يريد أن يحتاط لدينه إذا لم يترجح له أحد القولين له أن يهرق دماً احتياطاً .

القاعدة الثامنة
: الأخذ بما اطمأنت إليه النفس .
قال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 4 / 208 ) : لا يجوز العمل بمجرد فتوى المفتي إذا لم تطمئن نفسه ، وحاك في صدره من قبوله ، وتردد فيها ، لقوله – صلى الله عليه وسلم – : " استفت نفسك ، وإن أفتاك الناس وأفتوك " فيجب عليه أن يستفتي نفسه أولاً ، ولا تخلصه فتوى المفتي من الله ، إذا كان يعلم أن في الأمر الباطن بخلاف ما أفتاه ، ولا يظن المستفتي أن مجرد فتوى الفقيه تبيح له ما سأل عنه ، إذا كان يعلم أن الأمر بخلافه في الباطن ، سواء تردد أو حاك في صدره ،
لعلمه بالحال في الباطن ،
أو لشكه فيه ،
أو لجهله به ،
أو لعلمه جهل المفتي ،
أو محاباته في فتواه ،
أو عدم تقيده بالكتاب والسنة ،
أو لأنه معروف بالفتوى بالحيل والرخص المخالفة للسنة أو غير ذلك من الأسباب المانعة من الثقة بفتواه . اهـ .
وهذه القواعد تعين على ترجيح بعض الأقوال على البعض الآخر عند الاشتباه ، وإذا استعمل العامي أكثر من قاعدة في المسألة الواحدة كان أقوى في اطمئنان نفسِهِ ، وقربِهِ من الصواب – بإذن اللهِ – .
وهذا واضحٌ لا يحتاج إلى تمثيل .

وأختم كلامي
بمقولةٍ لشيخ الإسلام تكتب بماء الذهب ، وهي قوله : يكون على الخبازين والطباخين محتسب ، ولا يكون على الفتوى محتسب ؟!
والله أعلم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
20 / 3 / 1428


الساعة الآن 12:26 PM.

Powered by vBulletin Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
mhiptv.org , دعم فنى