![]() |
يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ
[ALIGN=CENTER][TABLETEXT="width:100%;background-color:rgb(135, 206, 235);border:10px outset white;"][CELL="filter:;"][ALIGN=center]
Download16445 [/ALIGN][/CELL][/TABLETEXT][/ALIGN]السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) البقرة في هذا النص نقف أمام حقيقة كبيرة , وأمام تفضل من الله كريم . . تلك الحقيقة هي التي يؤكدها القرآن دائما ويقررها , وهي حقيقة الصلة بين الله والمؤمنين . إنه يجعل صفهم صفه , وأمرهم أمره . وشأنهم شأنه . يضمهم سبحانه إليه , ويأخذهم في كنفه , ويجعل عدوهم عدوه , وما يوجه إليهم من مكر موجها إليه - سبحانه - وهذا هو التفضل العلوي الكريم . . التفضل الذي يرفع مقام المؤمنين وحقيقتهم إلى هذا المستوى السامق ; والذي يوحي بأن حقيقة الإيمان في هذا الوجود هي أكبر وأكرم الحقائق , والذي يسكب في قلب المؤمن طمأنينة لا حد لها , وهو يرى الله - جل شأنه - يجعل قضيته هي قضيته , ومعركته هي معركته , وعدوه هو عدوه , ويأخذه في صفة , ويرفعه إلى جواره الكريم . . فماذا يكون العبيد وكيدهم وخداعهم وأذاهم الصغير ?! وهو في ذات الوقت تهديد رعيب للذين يحاولون خداع المؤمنين والمكر بهم , وإيصال الأذى إليهم . تهديد لهم بأن معركتهم ليست مع المؤمنين وحدهم إنما هي مع الله القوي الجبار القهار . وأنهم إنما يحاربون الله حين يحاربون أولياءه , وإنما يتصدون لنقمة الله حين يحاولون هذه المحاولة اللئيمة . وهذه الحقيقة من جانبيها جديرة بأن يتدبرها المؤمنون ليطمئنوا ويثبتوا ويمضوا في طريقهم لا يبالون كيد الكائدين , ولا خداع الخادعين , ولا أذى الشريرين . ويتدبرها أعداء المؤمنين فيفزعوا ويرتاعوا ويعرفوا من الذي يحاربونه ويتصدون لنقمته حين يتصدون للمؤمنين . . ونعود إلى هؤلاء الذين يخادعون الله والذين آمنوا بقولهم:آمنا بالله وباليوم الآخر . ظانين في أنفسهم الذكاء والدهاء . . ولكن يا للسخرية ! يا للسخرية التي تنصب عليهم قبل أن تكتمل الآية: (وما يخدعون إلا أنفسهم , وما يشعرون). . إنهم من الغفلة بحيث لا يخدعون إلا أنفسهم في غير شعور ! إن الله بخداعهم عليم ; والمؤمنون في كنف الله فهو حافظهم من هذا الخداع اللئيم . أما أولئك الأغفال فهم يخدعون أنفسهم ويغشونها . يخدعونها حين يظنون أنهم أربحوها وأكسبوها بهذا النفاق , ووقوها مغبة المصارحة بالكفر بين المؤمنين . وهم في الوقت ذاته يوردونها موارد التهلكة بالكفر الذي يضمرونه , والنفاق الذي يظهرونه . وينتهون بها إلى شر مصير ! ولكن لماذا يحاول المنافقون هذه المحاولة ? ولماذا يخادعون هذا الخداع (في قلوبهم مرض). . في طبيعتهم آفة . في قلوبهم علة . وهذا ما يحيد بهم عن الطريق الواضح المستقيم . ويجعلهم يستحقون من الله أن يزيدهم مما هم فيه: (فزادهم الله مرضا). . فالمرض ينشىء المرض , والانحراف يبدأ يسيرا , ثم تنفرج الزاوية في كل خطوة وتزداد . سنة لا تتخلف . سنة الله في الأشياء والأوضاع , وفي المشاعر والسلوك . فهم صائرون إذن إلى مصير معلوم . المصير الذي يستحقه من يخادعون الله والمؤمنين: (ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون). . قدرة الإنسان على البحث عن مبررات لأفعاله هي قدرة عجيبة..فمهما كان فعل الإنسان منافياً للحق والعدل فإنه لن يعدم عن إيجاد المسوغ الأخلاقي له..مثلاً حين يسرق السارق يبرر هذه السرقة لنفسه بالقول "كل الناس يسرقون"، أو بالقول: "هذا الشخص غني ولن تضره سرقتي"، أو إذا كان شريكاً مع شخص آخر في السرقة فإنه يقول: "كان دوري ثانوياً، والآخر هو الذي يتحمل المسئولية الأكبر"، وإذا كان المسروق منه فقيراً لم يعدم السارق البحث عن مبرر آخر كيلا يؤنبه ضميره فيقول لنفسه مثلاً "كان يجب أن أفعل ذلك لأعيش"، وإذا ارتكب مجرم جريمة قتل بررها بالقول "هو أجبرني على ذلك".. هذه الآلية التبريرية كانت حاضرةً في اجتماع إخوة يوسف حين تآمروا على أخيهم الغلام البريء، فكان لا بد من البحث عن مسوغ أخلاقي يجمل قبح جريمتهم في أنفسهم، ويكون عوناً لهم حتى لا يترددوا في تنفيذها فكان هذا المسوغ: "يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوماً صالحين"، ويبدو أن هذا المسوغ لم يكن كافياً ليحقق لهم الاستقرار النفسي، ويخلصهم من وطأة الذنب، فكان لا بد من إيجاد مبرر آخر يخدعون به أنفسهم ليسكتوا صوت الفطرة الذي يقض مضاجعهم فكان هذا المسوغ بعد سنوات طويلة: "إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل".. وبحث الإنسان عن مبررات أخلاقية لأفعاله لا يقصد منه أن يبرئ نفسه أمام الناس، أو أن يفلت من العقاب، لأنه في حالات كثيرة يرتكب الإنسان جريمته بسرية تامة، ولا تكون هناك مخاوف من اكتشافها، وفي حالات أخرى يكون المجرم صاحب سلطة وقوة لا يخشى معها انتقام الناس منه، ومع ذلك تظل الحاجة قائمةً لإيجاد مبرر أخلاقي، فأمريكا مثلاً حين ترتكب جريمة قتل في بلد فقير ضعيف لا تخشى من انتقامه، ومع ذلك فإنها تربط بين هذا الفعل وبين محاربة الإرهاب والتطرف، والسعي إلى نشر الحرية والعدالة والسلام.. وهذا يدلل على أن هناك دافعاً أعمق من مجرد الهروب من العقاب، وهو الهروب من الفطرة الإنسانية، وإسكات القلق الداخلي الذي يحرم صاحبه من الاستقرار والطمأنينة.. وجود مبرر أخلاقي ضروري للإنسان، ولو لم يكن هذا المبرر موجوداً فسيسعى الإنسان لاختلاق أي مبرر. لكن هذه المبررات التي يختلقها الإنسان لتبرير أفعاله لا تغير الواقع الموضوعي، ولا تقلب الباطل حقاً، ويظل البحث الدقيق والتفكير العميق كفيلاً بأن يعري الإنسان أمام نفسه ويكشف لها الحقائق صارخةً، والإنسان الذي لا يطيق أن يعيش حياة تأنيب الضمير يحاول أن يتهرب دائماً من مواجهة نفسه ومكاشفتها لذلك فإنه يحذر من الخلوة ويسعى إلى إشغال وقته بالضجيج وبمخالطة الناس من أجل أن يسكت هذا الصوت المنبعث من أعماقه، فتقوده هذه المحاولات إلى إسكات صوت الحق المنبعث من داخله إلى الإصابة بداء ازدواجية الشخصية نتيجة عدم تحقيقه التوافق النفسي الذي يبحث عنه لأنه لا يستطيع قتل صوت الصدق والعدل الذي فطره الله عليه مهما حاول ذلك، وتتكون عنده شخصيتان متناقضتان شخصية ظاهرية وشخصية باطنية فلا يجد الراحة الحقيقية التي يبحث عنها، ويظل في حالة صراع وتشتت.. لكن حين يختار الإنسان الصدق مع نفسه فإنه سيخضعها لامتحان عسير ولن يخادع نفسه بمبررات واهية وستسقط كل الأغشية التي تحجب حقيقة نفسه وسيبصر هذه الحقيقة سافرةً بعد أن سقطت المعاذير فيتحقق حينها الانسجام النفسي بين الداخل والخارج، بين القول والفعل بين العقل الباطن والعقل الواعي ولن يظل هذا الإنسان ضحية صراع نفسي يمزقه بل سيكون قواماً بالقسط ولو على نفسه، وهذا الانسجام بين العقل الواعي والعقل اللا واعي هو الذي يحقق الطمأنينة والرضا الداخلي للإنسان .. لقد أقام الله عز وجل على الإنسان الحجة من داخل نفسه "بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره"، فمهما ساق الإنسان من مبررات واختلق حججاً ومعاذير فإن هذه المبررات لا تزيد عن كونها مكابرةً وعناداً وطمساً لنور الحقيقة، وفي لحظات الصفاء النفسي التي يبتعد فيها الإنسان عن ضجيج الحياة وأمواجها المتلاطمة يكون قادراً على التفريق بين ما يؤمن به حقيقةً وما يدعيه ويحاول أن يطليه بطلاء الأفكار والقناعات "يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون".. |
| الساعة الآن 06:34 PM. |
Powered by vBulletin Version 3.8.12 by vBS
Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd
mhiptv.org
,
دعم فنى